محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

51

الاعمال الصوفية

تثبت القلب وتمحو الكون والوجود ، وبالرؤية تكتمل هوية الذات والموضوع . الرؤية باب الحضرة ، فبالرؤية يثبت الله الأسماء ويمحوها في الحضرة . من ير الله يغتن غنى لا ضدّ له . لا صمت ، في الرؤية ، ولا نطق ، ولا إضحاء ولا ظل . الرؤية أن يرى العبد الله في كل شيء ، والغيبة أن لا يراه في شيء . تنتمي الرؤية إلى الخصوص ، وتنتمي الغيبة إلى العموم : فالغيبة هي الدنيا والآخرة ، والرؤية لا هي الدنيا ولا الآخرة . محرّم على العبد أن يسأل الله في الرؤية ، إلا أن يقول للشيء « كن » فيكون . إذ لو سكن الإنسان على الرؤية طرفة عين لجوّزه الله على كل ما أظهره وآتاه سلطانا عليه . رؤية الدنيا توطئة لرؤية الآخرة ، ومن لم ير الله في الدنيا لن يراه في الآخرة . الغيبة الغيبة قاعدة ما بين الرب والعبد في إظهار الصوفي ، وهي تكمن في أن لا يرى الله في شيء ، وفي اعتبار الله مثبتا للإظهار ، به يراه ويرى الإظهار . ما من عزاء في غيبة الله ، إذ لو جاء الكون كلّه لتعزية المتصوف في غيبة الله ، وسمعه المتصوّف وأجابه ، فلن يرى الله . من يسأل الله في الغيبة كمن لا يعرفه ، حقا أن الله أباح للمتصوّف مسألته في الغيبة ، ولكن فقط لحفظه في رؤيته . يطغى كل شيء على العابد في الغيبة ، ويسع العلم كلّ شيء في الغيبة ، لكن العلم لا ينفع حامله . الغيبة والنفس كفرسي رهان ، وإذا بنت الغيبة هدمت الرؤية . غيبة الحق التي لا تعد بالرؤية هي حجاب ، لأن الغيبة حجاب لا ينكشف . الغيبة سجن المؤمن في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا هي وعيد الله ، وفي الآخرة هي احتجاب يبقى ما بقيت المطالبة من الحق ومن العبد . وأخيرا ، فالغيبة هي وطن ذكر ، لأنها المسرح الذي يذكر فيه العبد الربّ كما يحبّ الربّ ، وإذا خرج العبد في الغيبة عن ذكر الرب ، غلبه كل شيء ، ولن ينصره الله . كثيرا ما يناقش النفري طبيعة الغير الذي يساويه بالباطل ، ويطلق عليه مختلف الألفاظ مثل ( السوى ) و ( الغير ) و ( الحرف ) ( وجمعه : حروف ) و ( الكون ) . وستوضح مجموعة المقاطع التالية المأخوذة من نصوصه مذهبه الصوفي في هذه القضيّة . السوى إن لم يظفر العبد بالحق فإنه سيظفر به سواه ، ولن يظفر العبد بوقفة ما بقي عليه